تحسين الزرگاني

وأكمل حكاية ما فعل مُلكُ الحِمام ، بعد أن وصلنا إلى أسباب مقدم الأكراد بقيادة نجم الدين الايوبي إلى قصر الخلافة ونصرة الخليفة شعبان المقتدر بالله، لنعرف المغزى من قصتنا.

تذكر القصص التاريخية أن الاكراد الأيوبية من قبائل العربان كانوا من نسل أشراف يسكنون بين وادي بكر وبغداد ، فحّل بهم قحط شديد أمات مواشيهم وبوّر أراضيهم حتى أعياهم ، فذهبوا إلى كبيرهم نجم الدين الأيوبي وأخبروه بما جرى عليهم ،وطالبوه بضرورة الرحيل إلى أرض خصبة غيرها ، فقال لهم هذا عين الصواب ، فطلب كبار القوم وشيوخ عشيرته ليسير بهم إلى المقتدر بالله ليشكو حال قومه ، لعله يعطيهم أرضا خصبة يقيمون بها.

وذهب الوفد إلى الخليفة في بغداد قاطعا البراري ، وبينما هم سائرون ، وإذا بالشيخ الكبير حبيب النجار سائح في البرية ، فتقدم إلى نجم الدين وسلم عليه ومن معه ، وسألهم إلى أين انتم ذاهبون ؟ فقالوا نقصد بغداد، لأن ارضنا أجدبت وشّح علينا خيرها ، ونحن نقصد الخليفة لنطلب منه أرضا غيرها ، فقال لهم الشيخ نعم الرأي رأيكم ، ولكن ارجعوا إلى أرضكم واجمعوا رجالكم واسرعوا إلى بغداد ، وخلصوا امير المؤمنين ومن معه من قيود العجم وحكم هلاوون وأخيه عبد النار ، فاذا وصلتم إلى هناك جردوا سيوفكم وكبروا الله وهللوا ، فأنكم بإذن الله مؤيدين منصورين ، فدعا لهم بالنصر وودعهم ، فرجع القوم إلى أرضهم وجمعوا رجالهم وأعدوا جيشهم وجدوا في المسير ، حتى دخلوا بغداد وجرى القتال وكتب لهم النصر على الأعجام ، ولم يهرب من قبضتهم سوى هلاوون واخيه ، وانقذوا البلاد من شر الاحتلال وخلصوا الخليفة وجنده من السجن.

وشكر الخليفة شعبان المقتدر بالله الأكراد واميرهم وأثنى عليهم وأجزل لهم العطاء وأفرد لهم الدور والقصور ، وبينما جيش الأعجمي الملك منكتم سائر إلى بغداد ، واذا بهلاوون واخيه يتلبدون في البراري وعرفوا رجالهم فأسرعوا إليهم حتى وصلوا أباهم ، وأخبروه بما دار وما بقي من الرجال وعن صولة المسلمين الابطال ، التي أخرجتهم من البلاد في الحال ، فلما سمع منكتم بالموال غضب واغتاظ وطلب من أبنائه الانضمام إليه ليريهم العجب في أخذه بالثأر، فساروا حتى أشرفوا على المدينة ، فوصل الخبر إلى الخليفة ، فنادى بقومه أغلقوا الابواب ،وحضروا الحراب ليكفينا الله شر المعتدين ، فقال الامير نجم الدين لا تفعل ذلك يا امير المؤمنين ، فنحن لك وقادرين على سحقهم ،وخرج الخليفة والأمير نجم الدين وعشيرته مع جيش الخليفة وكل من أتى من العربان من أجل الجهاد في سبيل الله ونصرة الدين ، ولما خرج الخليفة ودولته لملاقاة الاعداء الذين لم يتسنى لهم نصب خيامهم ،ولعب بهم السيف من جميع الجهات ، وصاح المسلمون بصوت واحد “الله أكبر” ، فتخيل لعبدة النار أن السماء قد وقعت عليهم والأرض خسفت تحت أقدامهم ، ودار القتال حتى انتهى النهار واقبل الليل ، فاراد الغزاة الانفصال ، لكن المسلمين لم يمكنوهم من ذلك كي لا يتمكنوا من جمع شتاتهم ، بل حملوا عليهم وأنزلوا السيوف بأعناقهم ، وما أن حل الصباح حتى غار الأمير نجم الدين على الملك منكتم وهجم عليه ، فضربه بالحسام وأطاح برأسه ، فلما رأى من بقي من عبدة النار رأس مليكهم على الارض والعلم قد انهار ، انحلت عزيمتهم فولوا الادبار ، ولم ينجى منهم إلا من كتب الله له عمرا ، فانتصر المؤمنين على عبّاد النار ، وعاد الخليفة والأمير وجيشهم المنتصر بغنائم كبيرة ودخلوا إلى بغداد في عرس وعيد لم تشهده قبل ذلك اليوم .

فشكر الخليفة الأمير على موقفه وأجلسه بجواره وطلب الأسرى وكان من بينهم أولاد الملك منكتم هلاوون وعبد النار ، فأمر الخليفة السياف بقطع رأسيهما ، فصاح اللعينان نحن بجوارك يا أمير نجم الدين ، فقام الأمير وقال للخليفة “أيها المهّاب أعلم أن إعمار الدنيا خير من الخراب ونحن نبيع هؤلاء أنفسهم بالمال” ، فقال الخليفة شأنك وما تريد ، فقال الامير للأسيرين عليكما دفع ثمن حياتكما من خزنة المال ، وكل سنة خراج الخزينة ، فقالا علينا ما تحب وتختار أيها المغوار، فقال الأمير للخليفة إن القوم قبلوا أن يدفعوا الخراج والمال ،فقال الخليفة ضعوهم في السجن حتى يأتي المال ،فقال الامير أنا الضامن لجميع الاموال فدعهم يمضون ولن يغيب عنك المال سوى بقدر وصولهم إلى أرضهم ، وأنا قادر بإذن الله أن أخذ أعناقهم حتى وإن كانوا بين أهلهم ، فأمر الخليفة بإطلاق سراحهم وردّ اليهم جيادهم وسلاحهم ، وما هي إلا أيام حتى جاء إلى بغداد رسول بيده كتاب من هلاوون واخيه ومعه خزنة المال وفديتهما وخراج ذلك العام.

هذا ما فعل مُلكُ الحِمام ، رهان طفلين على حِمامات أشعل الحقد والغيرة والكراهية في قلب إنسان جحود ، فهجر دينه وأصالته وباع كل القيم التي قتله لأجلها أعدائه ،فخان الوطن والدين والشعب كما خان الامانة التي عهدها إليه الخليفة شعبان المقتدر بالله ، وهنا أقول لأصحاب العقول إن كان قد بقي من الحكمة فيها شيء هل لنا من عبرة ، فلا تولوا من نبذهم الناس لحقدهم مصيركم ، لأنكم في نهاية المطاف ستأسرون في أعمالكم ، ولن يكون من أمير يفك أسركم ، ومسك الختام ستشرع الأقلام حتى يعرف اصحاب الناموس ، أن النفوس لبعض المجوس لن تباع ، وسنشعل الفانوس لنضيء الطريق لمن أصابه الغبار في عينيه وأعمى بصره وبصيرته ،ولن يجف القلم ما دام … للكلام بقية

Advertisements